كشفت دراسة حديثة في السعودية عن استحواذ القطاع العقاري الاسكاني على 70 في المائة من حجم القطاع العقاري في البلاد، الذي يشمل قطاعات مختلفة، منها السياحي والتجاري والاستثماري، واخيراً الديني، خاصة انه يعتبر ثاني قطاع من حيث الحجم بعد قطاع النفط والغاز. وأكدت الدراسة التي اعدتها شركة دار الاركان العقارية السعودية، أن الفجوة كبيرة بين العرض والطلب، حيث قدرت الفجوة بين المطلوب والمعروض من الوحدات السكنية سوقيا في فترة الخمس سنوات المقبلة بأكثر من 508 وحدات سكنية، حيث يصل متوسط الطلب في هذه الفترة بنحو 1.080.630 وحدة سكنية مقابل عرض يصل لحوالي571.788 وحدة سكنية، مما يشكل فرصة استثمارية كبيرة للشركات المتطلعة لسد هذه الفجوة، وإلا من الممكن ان تتحول تلك الفرص الاستثمارية الى أزمة إسكانية حادة إذا لم تدارك بمعالجة العوائق وتعزيز الحوافز للمستثمرين.
وذكر سعود القصير، مدير عام شركة دار الاركان معد الدراسة، أن الدولة ادركت حجم الطلب، كما أدركت عدم استطاعتها توفير هذه الكميات الكبيرة من الوحدات السكنية من دون مشاركة القطاع الخاص، وهذا ما أكدته في خطة التنمية الثامنة، متسائلاً عن مدى جاهزية القطاع الخاص للقيام بهذا الدور، ومؤكدا أنه لن يتمكن من القيام به من دون مساندة الدولة بتهيئة البيئة الاستثمارية المحفزة للقطاع الخاص للاضطلاع بهذا الدور بمنظور تجاري.
وأوضح المهندس القصير، أن جاهزية القطاع الخاص تحتاج إلى إيجاد شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص تعمل في ثلاثة مسارات وفي وقت واحد وعلى نفس الدرجة من الاهمية، لتتكامل في تهيئة شركات التطوير العقاري لتوفير المسكن المناسب وفي الوقت المناسب وتحقيق الاستطاعة للمواطن.
ولخص المسار الاول، حول ايجاد آليات تمويل متطورة لتمويل المشاريع الاسكانية المقدرة بنحو 2.4 الف مليار ريال (640 مليار دولار) في العشرين سنة المقبلة، مشدداً ان المبلغ يعتبر كبيرا، ولا يمكن للدولة أو البنوك منفردين توفيره من دون ايجاد اسواق اولية وثانوية لادوات التمويل العقاري. في حين يأتي المسار الثاني، في دعم مجتمع الاعمال لايجاد شركات تطوير عقاري حقيقية محترفة وكبرى قادرة على تطوير احياء سكنية متكاملة بأعداد كبيرة من المساكن وتسويقها في مدد لا تتجاوز الثلاث سنوات. مؤكدا أن المطورين هم الاقدر على توفير وحدات سكنية متعاظمة لا متهالكة القيمة لتكون قاعدة صلبة لدورة التمويل الاسكاني. واخيراً يتلخص المسار الثالث، في رفع القدرة الشرائية للمواطنين ليستطيعوا شراء مساكن بضمان دخلهم الشهري من دون الحاجة لقضاء فترة طويلة يدفعون خلالها من الايجارات ما يعادل قيمة المسكن الذي يريدون، وهذا يستدعي تعديلات في أنظمة التقاضي والتنفيذ تحفظ حقوق البائع والممول والمشتري، وبالتالي المجتمع.
وأوضح المهندس القصير أن شركته تعمل في التطوير الإسكاني للطبقة المتوسطة، وانها بذلت جهودا مكثفة للتعريف بحجم الفرصة «المشكلة» ومتطلبات الاستفادة منها وتجنب أخطارها، وقدمت نماذج علاجية لتأكيد مصداقيتها ونجاعة حلولها، وتمثل ذلك في تطوير مشاريع إسكانية كبيرة برؤوس أموال ضخمة يصل بعضها لأكثر من 6 مليارات ريال (1.6 مليار دولار)، بتطبيق فلسفة التطوير الحضري الشامل، كما قدمت نموذجا في تمويل المواطنين لشراء مساكن لهم بضمان دخولهم الشهرية بالتعاون مع ذراعها المالي مملكة التقسيط للتمويل الإسكاني، مما أسس لقيام شركة تمويل إسكاني برأسمال ملياري ريال بشراكة البنك الوطني العربي ومؤسسة التمويل الدولية وبنك H.D.F.C. الهندي ذي الخبرة الواسعة في التمويل الإسكاني في الأسواق الناشئة.
وأشار القصير الى أن الفترة الحالية تعتبر الأمثل لتحقيق ذلك، خاصة ان البلاد تعيش وفرة مالية كبيرة تمكن من انشاء قطاع التمويل الاسكاني وتشجيع مجتمع الاعمال للاستثمار في التطوير الاسكاني من خلال المحفزات المتعددة التي يمكن أن تقدمها الدولة بما لديها من سلطات تشريعية وتنظيمية ومن سيولة مالية كبيرة حاليا.
من جهته، شدد ياسر الصغير، مدير عام شركة حمد الصغير للاستثمار التجاري، على ضرورة الاهتمام بموضوع الإسكان في السعودية، وإيجاد الحلول المناسبة لهذه المشكلة التي تواجه المواطن وهي تملكه للمسكن، مؤكدا أن عجز العرض عن ملاحقة الطلب سيحدث فجوة إسكانية كبرى خلال السنوات المقبلة ما لم يتم تداركه وتعديل بعض الأنظمة في ذلك وضرورة الانتهاء من نظام الرهن العقاري، الذي طال انتظاره، مما أوجد خللا في عمل الشركات العقارية والبنوك بسبب تعطيل هذا النظام المعمول به في كثير من دول العالم.
وبين الصغير أن تفعيله من شأنه أن يحد من هذه المشكلة الكبرى، التي سيكون لها تأثير واضح خلال السنوات المقبلة، خاصة في عدم تفعيل بعض الأنظمة وتعطيلها والبيروقراطية في البعض الآخر، مما يؤدي إلى الحيلولة دون تنفيذ الكثير من المشاريع الاستثمارية.
وأكد ان الطلب يزداد والعرض يقل، الامر الذي قد يؤدى الى تضخم في اسعار العقارات السكنية بشكل خاص، وباقي المنتجات العقارية بشكل عام، مستشهداً بقطاع الايجارات الذي يشهد ارتفاعاً في العاصمة السعودية الرياض، نظراً لكثرة الطلب وقلة المعروض بعدما توجهت الكثير من رؤوس الاموال خلال السنوات الماضية الى الاستثمار في قطاع الاسهم المحلية، والنتيجة التي آلت اليها اسواق الاسهم في دول الخليج.
من جهته، أوضح عبد الهادي الرشيدي، مدير عام شركة عقارات السعودية، ان مشكلة الاسكان تتزايد وحلولها تسير بشكل بطيء، مشيراً الى ان علاج تلك الظاهرة التي قد تتحول الى ازمة يتطلب مجهوداً كبيراً، وذلك بضخ استثمارات عالية وتسهيل عمليات الاستثمار في التمويل العقاري، والسعي الى طرح نظام الرهن العقاري الذي سيساعد البنوك وشركات التمويل على تقليل نسبة الفائدة، والتي تتراوح حالياً ما بين 6 الى 9 في المائة، الامر الذي تؤكد عليه البنوك لضمان حقها من التمويل العقاري.
واستشهد الرشيدي بأزمة الطرق التي تواجه عددا من المدن السعودية ولم تتم دراستها بشكل يتناسب مع مرحلة معينة على غرار الكثير من الدول التي بدأت تعاني من الازدحام في المرور، مما دفع الكثير من القائمين على المدن الى السعي وتحويل الطرق لتخفيف معاناة الازدحام.
وذكر ان الازدحام في المرور يشابهه الازدحام في ازمة الاسكان، التي تحتاج الى حلول جذرية لمعالجتها ومنع عدد من الساعين الى الاستفادة القصوى بشكل سلبي على الفرد من خلال تمويله بقروض صعبة وعالية وشروط معقدة.
الى ذلك اكد الرشيدي ان البلاد بحاجة الى طفرة شاملة في بناء المساكن بمختلف انواعها في وقت واحد لتوفير اكبر عدد من الوحدات الاسكانية في البلاد.